التقديم

البلاغة الجديدة

بين التخييل والتداول

تأليف محمد العمري

niewrheto

1ـ   قراءة كتاب: البلاغة الجديدة، للأستاذ حسن المودن، في معرض الدار البيضاء، فبراير 2006 . نشر بالملحق الثقافي للاتحاد الاشتراكي بتاريخ  03.03.2006

القسم الثاني من قراءة ذ. حسن المودن

2 ـ  الفهرس وظهر الغلاف

3 ـ  التقديم

 والقسم الأول من الفصل الأول

*********

تقديـم

قال حازم القرطاجني: “وكيف يظن إنسان أن صناعة البلاغة يتاتي تحصيلها في الزمن القريب، وهي البحر الذي لم يصل أحد إلى نهايته مع استنفاد الأعمار”. (منهاج البلغاء. 88).

وكان حازم قد شبَّه حال من يظن إمكان تحصيلها والاستفادة منها، في وقت وجيز، بحال الرجل الذي قضى ليلته في تصفح كتب الطب، ثم أصبح وهو يحرر وصفة طبية لإسعاف صديقه المريض، فعجل بنهايته. إن بوسع إنسان ذكي، كما قال، أن يحصل بالاجتهاد في علم من العلوم، خلال شهر أو عام، شيئا يعتد به في ذلك العلم، وليس ذلك ممكنا في علم البلاغة، “إذ أكثر ما يستحسن ويستقبح في علم البلاغة له اعتبارات شتى بحسب المواضع”. (نفسه).

فالبلاغة، كما قال في موضع آخر: علم كلي، يقتضي ضبطه الإحاطة بعلوم اللسان وعلوم الإنسان المختلفة المتدخلة في تكوين الذات المنتجة للخطاب.

وها نحن نعود، بعد عمر من البحث في المجال البلاغي ببعديه الشعري والخطابي، إلى نقطة البداية لنتساءل: ما هي البلاغة؟ أو، عى الأقل: أين توجد البلاغة؟ هل هناك بلاغة واحدة، أم بلاغات متعددة؟ وإذا كانت هناك بلاغات متعددة، هل هناك: مشروعية لقيام بلاغة عامة تنسق هذه البلاغات الخاصة وتتحدث باسمها في نادي العلوم المحيطة بها؟

هذه هي الأسئلة التي يعالجها هذا الكتاب نظريا أولا، ثم عبر الاستكشاف التاريخي ثانيا في الفصل الأول، ومن خلال النموذج في الفصل الثاني، وبالحفر في أعماق اللغة والفكر ـ لإبراز فعالية المكون الجوهري في البلاغة، أي المجازـ في الفصل الثالث.

ركزنا في المبحث الأول من الفصل الأول على المنطقة التي يتقاطع فيها التخييل والتداول، وهي منطقة الاحتمال. انطلاقا من أن البلاغة هي علم الخطاب الاحتمالي الهادف إلى التأثير أو الإقناع أو هما معا، إيهاما أو تصديقا. وقدمنا وجهتي نظر حديثتين متعارضتين في الموضوع: إحداهما ترجح الفصل بين الشعرية والخطابية، والثانية ترجح الوصل موسعة منطقة التقاطع بما يمسح بجعلها عاصمة لبلاغةٍ عامة. وقد دعمنا الاتجاه الثاني بالمناقشة من جهة وبتقديم وجهة نظر البلاغة العربية من جهة ثانية.

وتتبعنا في المبحث الثاني منه تاريخ الحوار بين التخييل والتداول في البلاغتين العربية والغربية وما أفرزه من توجهات نحو التعميم والتخصيص. وهو تاريخ يشهد بوجود بلاغات خاصة، بقدر ما يؤكد النزوع الدائم إلى بلورة بلاغة عامة لكل الخطاب الاحتمالي التخييلي والتداولي. كما يبين كيف تتدخل النهضات العلمية في الجوار اللساني والمنطقي خاصة من أجل هيمنة بلاغات جزئية تدعي التعميم، مما دعاه جيرار جينيت البلاغات المعممة: بلاغة الشعر وبلاغة الحجاج. وهي في نظرنا بلاغات فرعية تفتقر إلى ما تقدمه لها البلاغة العامة. وتقوم بداخل هذه البلاغات الفرعية، بلاغات جزئية ملتبسة بين التخييل والإقناع. وقد ضربنا مثالا للبلاغات الجزئية هذه ببلاغة السخرية وبلاغة السيرة الذاتية. وهذا هو موضوع الفصل الثاني.

لقد بذلنا في مبحث السخرية جهدا تنظيريا استمر سنوات، بل هو عصارة كتاب حالت الظروف دون إتمام شكليات إخراجه. حاولنا إبراز الأبعاد المعرفية والحجاجية التي جعلت السخرية مبحثا فلسفيا حجاجيا أثيرا، من جهة، والأبعاد التي جعلتها مبحثا أدبيا تعبيريا أو أسلوبيا من جهة ثانية. وقد تعمدنا جر السخرية نحو الأدبية موسعين مفهوم الأدب تحاشيا للمعني الأخلاقي الديني والوجودي العدمي.

 أما السيرة الذاتية فالذي أثار الاتنباه في بنائها، وسمح بإلحاقها بهذا الكتاب هو تأرجحها بين التخييل الروائي و”التصديق” التاريخي. فقارئ السيرة الذاتية المثالية، أي الواقعة في مركز التقاطع بين التخييل والتأريخ، يظل في تنازع بين التاريخ والخيال. ومن الأكيد أنه حين يتيقن أنه أمام تخييل محض أو تاريخ محض سيغير برنامج تلقيه، وسيطالب بشروط أخرى في البناء: الانسجام الداخلي أو الخارجي أولا.

ولمزيد من الحفر في منطقة التقاطع تناولنا في الفصل الثالث الآلية البلاغية المركزية: المجاز. تناولنا المجاز في تأرجحه بين البعد المعرفي الإقناعي والبعد التخييلي الإبداعي. تتبعنا هذه القضية عبر مسار الفكر اللغوي والديني العربي في مرحلة تشكلهما، حيث لعب المجاز والتأويل المتعلق به دور المليِّن، وذلك بفضل طبيعته الاحتمالية، أي البلاغية.

وقد عملنا على تكميل الرؤية وفتح طرق التوسع في الموضوع بإضافة ملحقات وحواشٍ موسعة وإحالات كثيرة. فالكتاب، وإن بدا حريصا على تقديم معرفة، فهو أحرص على إثارة أسئلة من وجهات نظر متعددة بحثا عن محاورين يقَوِّمون ويضيفون، في سبيل بناء نموذج بلاغي حي يتفاعل فيه القديم والجديد. وللملاءمة بين هذا التعدد وضيق المساحة المخصصة لكل قضية عمدنا أحيانا إلى ترك وجهات نظر متعارضة تعبر عن نفسها دون بتر أو تكييف مخل، مكتفين بالتأطير والاستنتاج، على ذكاء القارئ في المقام الأول. 

وسيصادف القارئ مجموعة من المصطلحات الجديدة التي لا مندوحة عنها للخروج من الخلط والاضطراب في بناء النسق البلاغي الذي نتوجاه. مثل لفظ الخطابية ترجمة لريطورية أرسطو، في مقابل الشعرية وقياسا عليها. والمستَمَع، على وزن مجتمع، ترجمة للكلمة الجوهرية في التداول الحجاجي auditoire**، بدل المقام. والصورة ترجمة لِ** figure**، فـي مقابل كلمة حجـة ترجمة لِِ** argument**، وغير ذلك مما عرَّفناه في مكان وروده، أو عبر سياقه. فالمرجو ألا يلتقط القارئ هذه المصطلحات المركزية بمنقار طائر جوال لا يغادر قبة سمائه. فالمسألة تتعلق بمحنة نسق لا بجولة ألفاظ. وقد اقتضي السياق أحيانا مقايضة بعض المصطلحات المنتمية لحقل واحد، إما لتأكيد خصوصية، مثل حلول الحجاج محل التداول في سياق بلاغة الإقناع الجديدة، وحلول كلمة بيان في نفس المحل في سياق الحديث مع الجاحظ. وسيلاحظ أن هناك كلمات تهتز، لم تستقر بعد على قرار، مثل أدب وإنشاء.**

المهم أننا مازلنا نتعلم، والعاقبة للصابرين.

المحمدية. في 2ماي 2004